إهانة رئيس الجمهورية .. هل يعاقب عليها القانون ؟

 

يقول ابن حزم الأندلسي ” من تصدر لخدمة العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار “. منذ قديم الأزل يعرف القاصي والدني ضريبة العمل العام، فإنّ كان الجميع يعرف ذلك، فمن باب أولى أنّ يدرك من يتولى أمورهم ذلك، ويدرك أنّه كما قال ابن حزم الأندلسي بأنّه لا محالة مشتوم، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق برئيس إحدى الدولة الأجنبية، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق برئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو، فلك أنّ تتخيّل أنّك في مصر إذا قررت التضامن مع أخوتك وأخواتك في الأراضِ المحتلة، وقررت أنّ تهتف ضد رئيس وزراء الكيان الصهيوني، أو من يشاطره في سفك دماء أخوتك من رؤساء الدول الإمبريالية فأنت معرض للمساءلة القانونية وفقًا لما ورد في قانون العقوبات المصري، فقانون العقوبات المصري لم يجرم نقد رئيس الجمهورية وحسب في المادة 179 منه، بل قام بتجريم من يعيب ملك أو رئيس دولة أجنبية في المادة 181 منه.       لذلك سنتناول بالنقد والتحليل هاتين المادتين:

أولًا: تنص المادة 179 من قانون العقوبات المصري على أنّ ” يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على ثلاثين ألف جنيه كل من أهان رئيس الجمهورية بإحدى الطرق المتقدم ذكرها

هذه المادة مرت بتطور وتعديلات حتّى أصبحت علي صيغتها الحالية، و كان أخر تعديل لهذه المادة حينما أستبدلت بالقرار بالقانون رقم 77 سنة  2013م الذي ألغي عقوبة الحبس و أبقى على عقوبة الغرامة.  

 

 ما معنى الإهانة إذًا في قانون العقوبات المصري؟

 الإهانة هي كل قول أو فعل يحكم العرف بأنّه فيه ازدراء او حط من الكرامة في أعين الناس وإنّ لم يشمل قذفاً أو سبًا أوافتراءًا ولا غيره في الجرائم القولية بالمداولة في الأسلوب ما دامت العبارات في سياقها تفيد معنى الإهانة.       

 جريمة إهانة رئيس الجمهورية في الماضي كانت توصف بجريمة الإساءة للذات الملكية وطالت هذة التهمة أدباء و مفكرين مصريين، ففي عهد عباس حلمي الثاني 1897م تم تقديم الأديب المصري “مصطفي لطفي المنفلوطي ” إلى المحاكمة بتهمة الإساءة إلى الذات الملكية بسبب قصيدة ألقاها عندما استقبل الخديوي عند رجوعه لمصر بقصيدة هجاء، وحينها حكم على المنفلوطي بالسجن لمدة عامًا، كما حكم على الشيخ الغاياتي عام ١٩١٠م بالحبس لمدة سنة بسبب ديوان شعر بعنوان “وطنيتي” وجاءت حيثيات الحكم تقول أنّه يحتوي على تحريض ضد الحكومة وإزدراء للذات الملكية.

وقد حكم على الشاعر”بيرم التونسي ” سنة 1920م بالنفي خارج مصر بسبب أزجال عامية كان يسخر من زواج الملك فؤاد حيث تضمن شعره سخرية لاذعة من زوجته “نازلي” ومن مولودهما فاروق، بالرغم من أنّ أشعاره حينها كانت تُعبر وقتها عن سخط الشعب.

 كما حُكم في عهد الملك فؤاد أيضًا على عباس محمود العقاد عام  1930م بالحبس لمدة تسعة أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية بسبب آراء له داخل مجلس النواب، بالرغم من مرافعة الأستاذ مكرم عبيد البليغة في جلسة الحكم عليه والتي قال فيها في معرض الدفاع عنه: ” نحن أمام قضية تمثل مأساة أمة تمثلت فى مأساة فرد، إذ الواقع أن هذه القضية التى تبدو فى الظاهربين النيابة والأستاذ العقاد إنما هى فى الحقيقة بين الرجعية والدستور، أو هى بالأحرى بين مبدأ التأخر ومبدأ التقدم، أيا كان الشكل الذى قد يتخذه كل من هذين المبدأين، أو الأسم الذى يتسمى به فى مختلف الأزمنة والظروف، وما العقاد إلا خصم للرجعية عنيد انهال بضربات قتالية رأت أن لا قبل لها بها، فاعتزمت أن تنكل به قبل أن ينكل بها، ولما لم تقو على مجابهته وجها لوجه فرت إلى السدة الملكية، تتعلق بركابها، وتتسمح بأعتابها، ولم تستح أن تتخذ منها ستارا لعيوبها، فأسندت العيب للذات الملكية، والعيب كل العيب فيها “

وفي مارس ١٩٥٢م وقبل انتهاء الحقبة الملكية وإعلان الجمهورية بشهور قليلة صادرت الرقابة العدد العاشر من سلسلة “كتاب الهلال” الذي صدر بعنوان “عرابي: الزعيم الثائر” للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي، وذلك بدعوى أن الكتاب يتهم الخديوي توفيق عم الملك فاروق، بالخيانة والتواطؤ مع الجيش  البريطاني الذي احتل مصر عام 1882م.  

 

 جريمة إهانة الرئيس في القانون الفرنسي

لم تعد إهانة الرئيس الفرنسي جريمة بعد أن وافق البرلمان الفرنسي في سنة ٢٠١٣م على تعديل التشريع الذي يعود تاريخه إلى عام 1881م لصالح حرية التعبير جاء التغيير بعد أن قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مارس  بأن فرنسا انتهكت حق متظاهر في حرية التعبيرعندما قامت بتغريمه لحمله لافتة عن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي تقول ” اغرب عن وجهي أيها الأحمق.” ومنذ ذلك الحين أصبحت إهانة رئيس الجمهورية فعل لا يعاقب عليها بشكل خاص بل ينطبق عليه قوانين التشهيرالعادية لموظفي الحكومة والوزراء وجب اثبات ذلك – جريمة التشهيير والسب – للعقاب .  

 ثانيًا: تنص المادة 181 من قانون العقوبات المصري على أنّ ” يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه كل من عاب بإحدى الطرق المتقدم ذكرها في حق ملك أو رئيس دولة أجنبية ”

 لم تنص المادة على تحديد الدولة الأجنبية وهل يشترط أنّ تكون من الدول الصديقات لمصر من عدمه، ولعلّ تبادل التمثيل السياسي هو الفصيل العملي في هذا الصدد ولكنه فيصل لا ينص عليه القانون فليس ما يمنع النيابة العامة نظريًا من طلب تطبيق هذه المادة على من يعيب في رئيس دولة ليس التمثيل السياسي متبادلًا بيننا وبينها. والعيب معاقب عليه وفقًا لما جاء في هذه المادة ولو كانت هذه الأمور قد وقعت قبل ولايته للرئاسة. فهذه المادة جرمت العيب في رؤساء و ملوك الدول الاجنبية وجعلت العقوبة الحبس أو الغرامة وذلك بالرغم من أنّ المشرع المصري ألغى عقوبة الحبس في جريمة إهانة رئيس جمهورية الدولة.

 

 مخالفة المادتين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

أنّ حق النقد السياسي وحرية التعبير يعتبر حق أساسي من حقوق الإنسان بموجب ما أقرته الهيئات التشريعية ودساتير العالم وبموجب المادة ١٩ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية والذي يكفل حق كل إنسان في التعبيرعن رأيه وتداول مختلف أشكال المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى أخرين دونما اعتبار لأي حدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أوقالب فني او بأية وسيلة أخرى يختارها، وقد أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا تخص التشهير في حق رؤساء وشخصيات سياسية أنّ حرية النقاش السياسي هي في صميم مفهوم المجتمع الديمقراطي وهي مكفولة بحرية التعبير ويكون النقد مباح في نطاق أوسع فيما يتعلق برجال السياسة مما هو على نطاق الافراد، وفيما يتعلق بالحكومة فهي اوسع مما يتعلق بمواطن عادي أوسياسي، وتستند المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في حالات عدة إلى خطر تولد “شعور الخوف ” و أثره المجتمعي لتقييد حرية التعبير عن طريق التدخل في أعمال الإعلام مثل قضية (كامبان و مازار ضد رومانيا ) فرأت المحكمة حينها أنّ لا شيء في ملابسات القضية – وهي حالة تعتبر كلاسيكية للتشهير بشخص في سياق نقاش سياسي حول المصلحة العامة – يبرر فرض عقوبة حبس.

وأيضًا تعتمد المحكمة في اجتهادها تقليديًا المنطق الذي يفترض أنّ حرية الرأي و التعبير تسود علي حالات إهانة رؤساء الدول أو المسئولين السياسيين رفيعي المستوى وذلك يتضح من موقف المحكمة من الأحكام المرتبطة بالقانون الجنائي التركي بعد محاولة الانقلاب العسكري ضد مواطنين.  

وقد رأت في قضية (أرتون و غوفنر ضد تركيا ) أنّ منح حصانة لرؤساء الدول ضد الانتقاد بناءًا علي وظائفهم حصرًا لا يتوافق مع الممارسات الحديثة و المفاهيم السياسية , وفي قضية (فيدات سوري ) ضد تركيا رأت أن المحاكمات الجنائية التي تؤدي إلى تطبيق الحكم بتجريم إهانة رئيس الدولة تتعارض مع مبدأ حرية التعبير حيث تمنح المادة (٢٩٩) من القانون التركي الرئيس درجة أعلى من الحماية مقارنة بغيره من المواطنين الذين تحميهم القواعد العادية المتعلقة بالتشهير وقالت المحكمة ” أنّ تقديم المزيد من الحماية عن طريق قانون خاص بالإهانة لن يتماشى كقاعدة عامة مع مصلحة الدولة في حماية سمعة رئيسها ورأت أنّ احتجاز مقدم الدعوى لدى الشرطة التركية أو الأمر بحبسه حتي الحكم او إصدار قرار بعقوبة جنائية فعل غير مبرر و يتسبب في خطر تولد الشعور بالخوف عن التعبير.

 

مخالفة للمادتين للدستور المصري

تنص المادة 65 من الدستور المصري على أنّ ” حرية الفكر والرأي مكفولة ولكل إنسان حق في التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر” 

 

 ختامًا؛ يدعو مكتب الإسكندرية للحماية القانونية الجهات المعنية للعمل على إلغاء المادة 179 والمادة 181 من قانون العقوبات المصري، للتماشي مع ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومع ما جاء في المادة 65 من الدستور المصري.

 

المراجع:

1- الدستور المصري

2 – كود قانون العقوبات 

3 – يونان لبيب رزق كتاب ( العيب في ذات افندينا )

4 – التعليق على قانون العقوبات – المستشار مصطفى مجدي هرجه – المجلد الثاني    المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان

5 – Human Rights Wat https://www.hrw.org/ar/news/2012/11/26/248124

6 – الاعلان العالمي لحقوق الانسان “الحقوق المدنية و السياسية “

7 – كتيب ” تجريم التشهير في سياق حرية التعبير من منظور اوروبي ” اندري ريختر

8 – منشورات قانونية https://manshurat.org/

9 – https://www.france24.com/ar/