الهروب من السجن

جَريمة أم فِطرة إنسانية يتعيّن استيعابها.

 

لا شكّ أن الحرية هي فِطرة الله التي فَطر الناس عليها جميعًا، إلا أن هذه الحرية قد تُسلب للفرد من قِبل الجماعة حين ينتهك القوانين التي تَسنّها الجماعة، حينها يعدم الفرد أهليته القانونية لفترة زمنية معينة ربما تقصر وربما تطول، في هذه الفترة يستولى على الفرد شعورالإحباط واليأس، لاسيما أن المؤسسات العقابية التي يقضي فيها الفرد عقوبته – في أغلب الأحوال – لا تقوم بالدورالمنوطه به في إصلاح الفرد، ولا تخضعه لبرامج علاجيه تُمكّنه من الإندماج مع المجتمع فور قضاء عقوبته من جديد، حينها يَتَحيَّن الفرد في كثير من الأحيان الفرصة المناسبة للتملص من القيود والأغلال حتى يتنسم عبير الحرية من جديد.

لذلك لم يكن تصرف شاب مُقيد الحرية في محكمة رشيد الجزئية، حين أستغل انِشغال أفراد الحراسة عنه، وأفلت نفسه من أيديهم، مهرولًا صوب باب المحكمة محاولًا الهرب غريبًا على فِطرته الإنسانية، وإنما الغرابة هي ردّة فعل حراسه الذين بعد أن استفاقوا من حالة الإرتباك والدهشة التي أستولت عليهم للحظات، وأستطاعوا الإمسّاك بالشاب، قاموا بالإعتداء عليه بالضرب والتوعد له بالويل والثبور، وتَكمنُ الغرابة أيضًا في ردّة فِعل شهود العيان الذين طرحوا على بعضهم البعض عدة أسئلة: ما السبب الذي دفع الشاب إلى الإقدام على هذه المحاولة اليائسة القانطة؟ ما هو مصير هذا الشاب يا ترى؟ هل سينفذ أفراد الحراسة المرافقين لهذا الشاب تهديدهم له؟ هل سَيحاكم هذا الشاب على محاولته هذه للتملص من قيوده؟  

وهنا إذا بحثنا عن السبب الذي دفع الشاب إلى الإِقْدَام على محاولته هذه، سنجد أن السبب الرئيس يتمثل في الحرية التي فطره الله عليها حتى ولو كان هناك أسباب أخرى ظاهرة للعيان، وإذا بحثنا عن مصيره وعما إذا كان سينفذ أفراد الحراسة المُرافقين له تهديدهم له بالويل والثبور سنجد أنهم بالفعل سينفذون تهديدهم له وسيعتدون عليه وسينْكِلون به تّنكْيل ما بعده تّنكيل، وإذا بحثنا حول ما إذا كان هذا الشاب سيحاكم على محاولته هذه للتملص من القيود، سنجد أن قانون العقوبات المصري جَرَم هرب المحبوسين في المادة 138 شريطة أن يهرب كليًا من السجن بحيث يصبح المحبوس طليقًا لا سلطة لأحد عليه.  

 

 هروب المحبوسين في قانون العقوبات المصري.      

 

تنص المادة 138 من قانون العقوبات المصري على أن : ” كل إنسان قبض عليه قانونًا فهرب يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور أو بغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه مصري.
فإذا كان صادرًا على المتهم أمر بالقبض عليه وإيداعه في السجن وكان محكومًا عليه بالحبس أو بعقوبة أشد يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تجاوز خمسمائة جنيه مصري.
وتتحدد العقوبات إذا كان الهرب في أحد الحالتين السابقتين مصحوبًا بالقوة أو بجريمة أخرى “.

وفي تعليقه على هذه المادة يرى المستشار مصطفى مجدي هرجة أنه يشترط للعقاب على جريمة الهرب أن يكون الهارب قد سبق القبض عليه‘ فإذا لم يكن قد حصل القبض بالفعل فلا جريمة، وقد أستثنى المُشرع الجنائي جريمة هرب المقبوض عليه من الخضوع لحكم الفقرة 32 من قانون العقوبات التي تنص على أن: “.. وإذا وقعت عدة جرائم لغرض واحد كانت مرتبطة ببعضها بحيث لا تقبل التجزئة وجب اعتبارها كلها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم “، وعلى هذا فإذا كان الهرب مصحوبًا بالقوة أو بجريمة أخرى فتتعدد العقوبات على الرغم من الأرتباط ووحدة الغرض.

وفي هذا السياق أستقرت أحكام محكمة النقض على ” دلت المادة 138 من قانون العقوبات في صريح عبارتها وواضح دلالتها على أن الشارع قد استثنى من الخضوع لحكم الفقرة الثانية من المادة 32 من قانون العقوبات جريمة هرب المقبوض عليهم إذا كان الهرب مصحوبًا بالقوة أو بجريمة أخرى فتتعدد العقوبات على الرغم من الأرتباط ووحدة الغرض لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد دان المطعون ضده بجريمة الهرب بعد القبض عليه قانونًا وكانت جريمة الهرب مصحوبة بجريمة إحراز مخدر فقد كان لزامًا على المحكمة أن تقضي بعقوبة كل من الجريمتين المرتبطتين لحكم الفقرة الثالثة من المادة 138 المشار إليها، أما وقد خالفت هذا النظر وأعملت في حقه المادة 32/2 من قانون العقوبات وقضت على المطعون ضده بعقوبة واحدة وهي المقررة لجريمة إحراز المخدرات فإن حكمها يكون معيبًا بالخطأ في تطبيق القانون. ” 

 الطعن رقم 103 لسنة 46 ق جلسة 25/4/1976

 

وعلى ضوء المادة رقم 120 من القانون رقم 58 لسنة 1937 المقابلة لنص المادة 138 من قانون العقوبات الحالي أستقرت الأحكام على أن ” يشترط  للعقاب على جريمة الهرب المنصوص عليها في المادة 138 من قانون العقوبات أن يكون الهرب قد حصل بعد القبض على من وقع منه الهرب فلا جريمة إذا لم يكن الفعل هنا قبض سابق، وإذا كان المستفاد من الثابت بالحكم إن المتهم عندما علم من سكرتير النيابة بأن سيقبض عليه تنفيذًا للحكم الصادر بحبسه هرب قبل أن ينفذ عليه الأمر بالقبض فذلك لا يعد هربًا مما يعاقب عليه القانون سواء أكان قد صدر أمر بالقبض على المتهم أو لم يصدر.

 الطعن رقم 547 لسنة 11 ق جلسة 20/1/1941)

 

وأستقرت أحكام المحاكم الجنائية منذ الماضي السحيق على عدم تطبيق  الفقرة الأولى من المادة 138 من قانون العقوبات في الأحوال الآتية:
 ” المتهم الذي يقبض عليه أحد الأأفراد وهو متلبس بالجريمة “

ديروط الجزئية 5 ديسمبر سنة 1917 مجلة المجموعة الرسمية للحكم الأهلية 19 ص 50 ع 34   


” لا تتم جريمة هرب المحبوسين وهي من الجرائم المستمرة إلا بالخروج كلية من السجن بحيث يصبح المحبوس طليقًا لا سلطة لأحد عليه أما إذا ضبط الهارب على أثر خروجه من نافذة السجن فإن عمله يعتبر شروعًا غير معاقب ليه”

محكمة مصر الإبتدائية 10 نوفمبر سنة 1927 مجلة المحاماة للنقابة المحامين الأهلية 8 ص 337

 

وعلى هدى ما تقدم؛ فإنّ قانون العقوبات المصري جَرَم في مادته 138 هروب المحبوسين من السجن شريطة أن يكون قد قبض عليه قانونًا فهرب، وأن يكون المتهم قد هرب هروبًا كليًا بحيث يصبح حرًا طليقًا لا سلطة عليه.

وهذا ما يجعلنا نختلف مع المُشرع الجنائي في تجريمه هروب المحبوسين، لأن فعل الهروب من الحبس هو فعل يستقيم من الفِطرة التي فطر الله عليها عباده، وبالتالي فإن تجريم هروب المحبوسين يتجافى مع القانون الطبيعي الذي هو نعتبره مصدر التشريع الأهم. وفي هذا الصدد؛ فطن خير البَريّة  النبي مُحَمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام هذه المسألة.

 

فهلا تركتموه 

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” أتى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال : يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال النبي عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه. قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته اللحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه، فذكر للنبي عليه الصلاة والسلام فراره حين مسته الحجارة، قال: فهلا تركتموه. ”
ومن خلال ما سبق يتضح كيف فطن خير البَريّة عليه أفضل الصلاة والسلام لطبيعة الإنسان الذي يجزع بمجرد ما يجد ثَمّة خطر يُهدّده.

 

في القانون الدولي والاتفاقيات الدولية حول مسألة الهروب من أماكن الاحتجاز


تنص المادة 8 من اتفاقية لاهاي على أن ” يخضع أسرى الحرب للقوانين والقرارات والأوامر السارية في القوات المسلحة بالدولة الحاجزة، وكل عمل مخل بالنظام من طرفهم يعرضهم إلى إجراءات الصرامة الضرورية، ينال أسرى الحرب الذين يحاولون الهروب ثم يقبض عليهم قبل أن ينجحوا في الالتحاق بجيشهم أو الأراضي التي تحتلها القوات التي أسرتهم عقوبات تأديبية ولا يعرض للأسرى الذي نجحوا في الهرب ثم أسروا من جديد لأأية عقوبة بسبب الهروب السابق..”

كما تنص المادة 120 من اتفاقية جنيف ” لا تطبق على المعتقلين الذين يعاد القبض عليهم بعد هروبهم أو أثناء محاولتهم الهروب إلى عقوبة تأديبة فيما يتعلق بهذا الذنب حتى ولو عادوا لذلك، ولا يعرض المعتقلون الذين عاونوا هروب أو في محاولة هروب إلا لعقوبة تأديبية عن هذا الفعل”

ومن خلال ما سبق يتبيّن أنه تم إقرار حق أسير الحرب في الهرب وفي حالة النجاح لا يتم معاقبته على الهروب في حالة أسره لاحقًا، وهذا يستقيم مع الغريزة البشرية.
ختامًا؛ لا فائدة تذكرمن تطبيق المادة 138 من قانون العقوبات المصري على المحبوس الذي يستجيب لنداء غريزته البشرية محاولًا الهرب، وهذا ما فطنه خير البَريّة عليه أفضل الصلاة والسلام حين علم بمحاولة ماعز بن مالك للفرار من تطبيق الحد وهذا ما ندْركه في قوله عليه الصلاة والسلام ” فهلا تركتموه “، فمحاولة التملص من الأغلال هي ابنة للغريزة البشرية، وهذا ما سلط عليه الضوء الأديب الفرنسي ( فيكتور هوجو ) في رائعته البؤساء من خلال بطل روايته، وأدركه كذلك المشرع الفيدرالي المكسيكي حين رأى أن الرغبة في الهروب تدخل ضمن الطبيعة البشرية، وبالتالي فإنّه لا ينبغي أن يوجه لأي محبوس هارب أي أتهامات بشأن هروبه ما لم يقترف أفعال أخرى تضعه تحت طائلة القانون.

لذلك فإننا نثمن إعتراف عدة دول بحق السجناء في محاولة الهروب من السجن بإعتبار أن محاولتهم هذه ولدت من رحم غريزتهم البشرية، آملين أن ينحو المشرع المصري هذا المنحى محتويًا ما تسفر عنه الغريزة البشرية لدى المحبوسين من محاولة التملص من القيود والأغلال ما لم ينتهكوا قوانين أخرى تضعهم تحت طائلة القانون.     

 

المراجع:


1- قانون العقوبات المصري
2- التعليق على قانون العقوبات – المجلد رقم 2 – المستشار مصطفى مجدي هرجة.
3- اتفاقية لاهاي 1907م

4- اتفاقية جنيف 1949م